‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

12.11.2019

سأنتخب يوم 12/12.. الدّوافع والأسباب


سأنتخب يوم 12/12.. الدّوافع والأسباب 



مقدّمةُ تذكيرٍ وتنبيه:

مِن حقِّ مَن عرفني مِن إخواني الّذين شاركتُهم حَراكًا صنعَ حدثًا مِن أعظمِ الأحداث الّتي ستذكُرها الأجيال على مرّ التّاريخ، وسِرتُ معَهم في مظاهراتِ كسرِ الأغلالِ ومناهضةِ الاستبدادِ منذ ساعتِها الأولى، وفي مختلفِ الأيّامِ والجمعة خاصّة.

ومِن حقّ الكسالى ومعارضي السّاعة الخامسة والعشرين -أيضا-؛ الّذين اكتشفوا النّضال (النّاعم) بعد 22/02/2019م، والّذين يكتفون بقراءة العناوين، فيرمون بالتّهم الباطلة رجالاً كانوا بمثابة أهلِ بدرٍ -مِن حيث الأقدميّة- في مقاومةِ الاستبداد..

أقول لأولئك وهؤلاء –جميعًا مذكّرًا ومنبّهًا-:

إذا كنتَ مِن الّذين لا يزالون سائرين في الحَراك؛ فاقرأ مارقمتُه بعيدًا عن الهتافات الصّاخبة المشتِّتة للتّركيز، المؤثّرةِ على التجرّد المطلوب في القراءة السّليمة العادلة.

أمّا إذا كنتَ مكتفيًا بقراءةِ العنوان، فتوارَ عنّا بفكرتِك -يرحمك الله-، لا حاجةَ لنا بتعليقٍ يُشغلنا الردُّ عليه عن الجادّة!

أنا ابن الحَراك أصالةً –لا أقول هذا احتماءً أو اعتذارًا-، وإنّني لأفخر إذْ كنتُ أحد مكوّناتِه الأولى الّتي حقّقتْ أبرز المطالب والغايات الّتي خرجَت من أجلها منذ اليوم الأوّل –أحمد الله على ذلك وأسأله القبول-؛ لكن رغم عظمة نُبلِ الموقف (الحَراك)، لا يجوز أنْ يُخرجُه الوصف عنْ كونِه مجرّد حركةٍ مِن الحركات البشريّة ووسيلةٍ من الوسائل التّغييرية، الّتي تستهدف تحقيقَ مصالح أو دفع مفاسد قد قَدّرَت الجماعةُ المتحرّكة مِن أجلها والمتوسّلة إليها بحصول الغاية من حَراكها؛ والتّقديرُ خاضعٌ للاجتهاد، والاجتهادُ قابلٌ للتّغيير، والتّغييرُ مرهونٌ بحالِ الأفق قربًا وبعدا، وبنوع النّتيجة خيرًا وشرّا؛ ولهذا كانت عموم الحركات البشريّة تُعقَبُ بالمراجعات؛ وعليه فالحَراك لا يعلو على الانتقاد ولا يسلم منه.

ولو كانت ثمّة حركةٌ على وجه الأرض تستحقّ العلوّ على الانتقاد والسّلامة منه، لكان ذلك لصحابة النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- والتّابعين مِن بعدِهم –رضي الله عنهم وعن أسلافهم-؛ مع ذلك قد حفظ لنا التّاريخ الإسلامي الخلاف العظيم الّذي وقع في الخروج يوم الجمل، وفي خروج الحسين وأمّةٍ من الصّحابة –رضي الله عن الجميع- إلى العراق، وفي خروج عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- ومَن معه ضدّ الحجّاج..، فضلاً عن الحَركات التّاريخية الكبيرة الأخرى التي وقع فيها الخِلاف؛ فكيف بحَراكِنا اليوم؟! الذي لم يخرج فيه الصّحابة ولا التابعون ولا تابعو تابعيهم ولا الأئمة الأكابر؛ بل خرج فيه مِثلي ومِثلُكَ، و خليطٌ من البشر دينًا وتوجّها ومنهجا وخُلقا وفَهما وعِلما..؛ فلا شكّ أنّه بالنّقد والمراجعة أولى!

وعليه؛ كان الشّأن في مثل هذه الأشياء المناقشة والبيان، لا التّخوين الاستهجان؛ هذا يجبُ أن يَرسخ في أذهاننا، حتّى نتقيّد بمعناه عند كلّ كتابةٍ أو تعليقٍ في مثل هذه المواضيع، وإلاّ كنّا بمثابة المدّعي ملكيّةَ الحقيقة المطلقة.

ذلك أنّ الحديث عن الحقّ والباطل والثّبات والموقف في هذا المجال، ما هو إلاّ فرعٌ لتصوّرك للأشياء؛ فليس كلّ ما تراه أنت حقًّا هو كذلك عند غيرك، وليس كلّ ما تراه أنت باطلا هو كذلك عند غيرك، ذلك أنّ درجةَ الإدراك للأشياء ومَبلَغَ الفهم للأمور مختلفٌ عند الناس بالفطرة، والتّعاملَ مع الأحداث المتنوّعة والتّفاصيل المعقّدة متجدّدةٌ بالتّجربة؛ فكيف تتحدّث في الثّبات على المختلِف والمتجدِّد الّذي لا يعترفُ بالوحدة والاستقرار؟! بل حدّثني عن الثبات على المبدأ الذي لا يتغيّر مهما تغيّرت وسيلتك وتحوّل موقعك وتبدّل حالك!

وإنّ المبدأ غير الموقف؛ فالأول غير قابل للتّغيير بخلاف الثاني؛ وما خروجُنا في الحَراك إلاّ موقفٌ من المواقف الّتي تأبى الاستمرار إلى اللاّنهاية متى قدّرنا تحقُّق الغايةِ المَرجُوّة كليًّا أو نسبيا.

وقد قدّرتُ بعد مشاركةٍ طويلةٍ مستمرّةٍ ضمن الحَراك، أنّ الانتخابَات أصبحت خيارًا تُحتّمُه الضّرورة ويُمليه العقل وتقتضيه السّياسة؛ ما دامت متماشيةً مع المبدأ غير متناقضة معه...

هذا اختياري أنا، فاحترمْه ولا تُصادِر حقّي فيه؛ فإنْ أقنعتُك به، فهو مِن فضلِ تواضعِك وصِدقِك بعد فضل الله -عزّ وجلّ- وليس لي منه حظّ؛ وإنْ لم أُقْنِنِعْك، فلي أسوةٌ في قولِ الله –سبحانه– لنبيّه -عليه الصّلاة والسّلام-:
[[وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ]].

وإليك الدّوافع والأسباب:

أوّلا/ قناعةٌ مبنيّةٌ على متابعةٍ للتطّورات وقراءةٍ للأحداث:

إنّني أكره انْقيادًا لغير قناعتي يحبسني عن قول حقٍّ يظهر لي، ولو كان ذلك على خلاف رِضا الكثير، وإنّ القناعةَ هي الإرادةُ الّتي لا يقبل بتقييدِها إلاّ مَن رهنَ حريّته عند الآخرين؛ وقد حرصتُ منذ بداية الحَراك على متابعة التطوّرات وقراءة الأحداث متابعةً وقراءةً مجرّدةً مِن التعصّب والتّسليم، مع محاولة توسيع دائرة الاطّلاع والقراءة عبر مُختلَف المصادرِ قدْرَ الإمكان -مهما كان الاتّجاه- دون حكمٍ مسبقٍ يحرمني مِن النّظر إلى الأمور بعين العدل، حتّى لا أجعلها ضيّقةً ممتنعةً عن الآراء الأخرى، فإنّ ثمّة عشرات الأسماء من النُّخب وذوي العلمِ والدّراية ما يُفيدُ المرء إذا قرأ لهم أو أنصت، بما يتحصّل لديه مِن مجموعهم قناعةٌ متميّزة مبناها الحجّة والبرهان؛ فضلا عن عدم تقيّدي بأصحابِ بعض اللاّيفات المعروفة لدى عموم النّاس، المتميّزة بالكلام السّاقط الّذي يغلِب عليه كشفُ أسرار الخصم وإبداء فضائحه، دون دليلٍ ولا برهان -غالبا-؛ بل ودون حاجةٍ ولا ضرورةٍ تتعلّق بالواقع! لا سيما المرتبط منها بأهالي القوم وذويهم.

أمّا كون قناعتي بخيار الانتخابات قد وقعَت على خلاف اتّجاه بعض الأفاضل وخيارهِم؛ فلا يهمّني هذا في كثيرٍ ولا قليل، إلاّ في التزام التّقدير لقاماتهم مهما اختلفتِ المواقع، فإنّهم بشرٌ يأكلون الطّعام ويمشون في الأسواق، يُصيبون ويخطؤون في المواقف والآراء البشرية التي يعتريها الخطأ والنسيان عادةً، وقد خالفهم الكثير كما وافقهم الكثير؛ ولو كانت مواقف النّاس -فيما لم يُجمعوا عليه- تصلح حجّةً، فإنّ في المؤيّدين للانتخابات والسّائرين على خطّها أفاضل كُثُر! بَيْدَ أنّ الاحتجاج بمثل هذا لا يَصلُحُ مهما كانت وِجهة صاحبه؛ فليس كلام هؤلاء أو أولئك حجّةٌ على غيرهم إلاّ بدليلٍ يَترجحُ على دليل الغير، إذ الحجّةُ بالقولِ لا بقائله؛ وهنا كان التّقديرُ والنّظر، ولكلٍّ تقديره ونظرته في الأمور.

وإنّ الحقَّ لا يدلُّ إليه سوادُ كثرةٍ ولا شدّةُ صَخَبٍ ولا قوّةُ عاطفة؛ بل نيّةٌ صادقةٌ تستنيرُ بتوفيقِ الله، وعقلٌ رشيدٌ يَستأنس برأيٍ سديد.

ثانيا/ تحقيقُ مقصدٍ مِن المقاصدِ العامّة للشّريعة (جلبُ المصالح ودرءُ المفاسد):

أمنيّةُ كلّ مسلمٍ تعلَّمَ العقيدة ودرس الفقه؛ أنْ يُنصَّبَ لحكمِ البلاد والعباد رجلٌ يُقيم الدّين ويُصلِح به الدّنيا، ولا يتأتّى هذا إلاّ بحاكمٍ عالمٍ بالدّين عارفٍ بالواقع في نفسه أو بمن يعينه فيهما؛ ولمّا عَدِم الحالُ تحقيقَ هذه الآمال؛ وجب علينا التّعامل مع واقعه وِفْق قواعد الشّريعة ومقاصدها العامّة، مِن خلال السّعي عبر الطّرق العصرية المتاحة لتنصيب الحكّام، بناءً على التّقدير بين المصالح والمفاسد مِن حيث الغلبة والرّجحان.

ولمّا كانت الانتخاباتُ هي الآلية المتعارف عليها في العصر الحديث في اختيار الشّعوب لرؤسائهم وممثِّليهم، والجزائر مقبلةٌ على رئاسيّاتٍ في ظروف استثنائيّة بعد حَراكٍ شعبيٍّ تاريخيّ لم تشهده البلاد منذ الاستقلال، ونحن نرى الوضعَ العام عند مُفترق طرقٍ يفرض على الواقف عند نقطتِه أن يتّخذ قراره:

إمّا السّير نحو مجهولٍ برأسٍ معلولٍ ومَطالب ظاهرُها فيه الرّحمة وباطنها فيه العذاب.

وإمّا السّير نحو جزائر جديدةٍ في سياستها واقتصادها وفيما يَسْتكمِل البناء الّذي وضع الحَراك لبناته الأولى.

لا شكّ أنَّ قواعدَ الشّرع وأدلّةَ العقل تؤدّي إلى الخيار الثّاني، الّذي لا يُمكن تحصيله إلاّ بانتخاباتٍ تضع حدًّا للمخاوِف وتفتح عهدًا للمراغِب.

يقول فضيلة الشّيخ ابن الحنفيّة العابدين -حفظه الله- ضمن كلمةٍ له مسجّلة في خصوص الانتخابات الرّئاسية المُقبلة:

"لكنّها حالةُ ضرورة؛ فهل يَترك المرء الذي يُسأل عن الشّيء، يَترك الحبلَ على الغارب ويقول: لا شأن لي بهذا الّذي يجري لأنّه مخالف للشّرع، أم أنّه يتعامل مع هذا الواقع بما يُقلّل المفاسد ويكثر المصالح؟ لا أَحسَب أنّ قواعد الشّرع تَمنع مِن التّعامل مع هذا الواقع؛ بل قد تُحتّم التعامل معه، وقواعدُ الدّين التي أَصّلَها العلماء لم يُؤصّلوها ليَحفظها المرء ثمّ لا يُعملُها! ولهذا فإنّ أقلّ ما يُقال عن هذه الانتخابات أنّ المرء المسلم الّذي يُريد أنْ يَستبرأ لدينه وعرضه، أنّ عليه أنْ لا يَعترض عليها، فلا يجوز له فيما أعلم وفيما أرى أنْ يعترض عليها، الأمر الثّاني: أنّه إنْ رأى مَن هو أصلح مِن غيره بحيث يُحقّق مصالح دينية -وهذا هو المقدَّم وإذا قلنا مصالح دينية فإنّها تدخل فيها مصالح الدّنيا-، أو دنيويّة ويكون أحسن مِن غيره؛ فإنّه إنْ اختاره وانتخبه فإنْ شاء الله هو مأجورٌ بهذا". اهـ

ثالثا/ طي صفحة العهد البوتفليقي البائد والدخول في عهد جديد:

لم يخرج الشّعب الجزائري عن بكرةِ أبيه في الثّاني والعشرين من فبراير، إلاّ بعدما طفح الكيل من ممارسات نظام بوتفليقة الّذي امتدّ لعشرين سنة كاملة، لم يُرَ فيها إلاّ القهر المُقيِّد للحريات، والظّلم المتعدّي على الكرامات، والتسلّط النّاهب للأموال؛ فكان منطقيًّا أنْ يكون أوّل مطلبٍ في حَراكه متمخّضًا عن السّبب الرّئيس الّذي أخرجه إلى الشّارع؛ ألا وهو قطع الطّريق على ترشّح بوتفليقة لعهدةٍ خامسة، وبالتّالي استبعاد نظامه عن حكم الجزائر، واستبداله بنظامٍ جديدٍ عن طريق الانتخابات.

وكلّنا يعلم بآثار الرّئيس السّابق على النّظام السّياسي للبلاد؛ ونحن نرى بعض الأسماء القديمة القريبة مِن بوتفليقة أو جماعته، لا تزال تتبوّأ بعض الوزارات والإدارات، ولا يزال دستوره مرجعًا للمحاكم والإدارات، ولا تزال قراراته وقراراتُ مَن كان معه ساريةَ المفعول إلى اليوم، ولا تزال اتّفاقاته الخارجيّة التّي اشتُريت بها عهداته الرّئاسية ثابتة.

فلزم طيُّ تلك الصّفحة البائسة في أسرعِ وقتٍ وبأقلّ الخسائر، عن طريق الانتخابات.

رابعا/ الانتخابات هي الآلية القانونية التي يرتسم بها مسار البلد:

ليس لنا بدٌّ مِن الانتخاب لاختيار الرّئيس ونحوه، مهما شَبّه المشبّهون ولبّس الملبّسون؛ ومن زعم أنّ ثمّة حلولاً سياسيّةً آمنةً تضمن لنا الانتقال المأمون والمأمول مِن الجميع، فهو شيطانٌ مخادعٌ ينصب الفِخاخ، أو غافلٌ قد عمِي عن إدراك الحقيقة؛ بل الخيار الدّستوري هو الطّريق الآمن لإجراء انتخاباتٍ بدون مقدِّماتٍ انتقاليّة ترتكز أساسًا على حلولٍ سياسيّة خارجةٍ عن منظومةٍ تقيّدها وتتحكّم فيها؛ فكان البديلُ عن انتخابات يُعبَّر مِن خلالها عن الاختيار، هو الفوضى وإنْ زيّنَها السياسيون بوصفها مرحلةً انتقاليّة، وإنّ إقبالهَا غير إدبارِها، إذْ لا تُدركُ خطورةُ هذه المرحلة إلاّ بعد الدّخول فيها، حيث يَظهر التّجاذب ويشتدّ الاصطفاف الّذي يُعقِّد الأزمة ولا يحلّها، ويُطيلها ولا يقطعها.

وربّما قال البعض: نحن متّفقون على اعتبارِ الانتخابات هي الآلية الوحيدة لاختيار الرّئيس، وإنّما الإشكال في تنظيمِها مِن طرف حكومةٍ لا يوثق فيها، وبدستورٍ مختلٍّ قد فُصّل لصالِح واضعِه.

فيُجاب: في الصّيف ضيّعت اللّبن! –كما جاء في المثل العربي-.

يقول الدّكتور عبد الرزّاق قسوم -وفّقه الله-: "فلو أراد المعارضون للانتخاب إحداثَ الجوّ المناسب، لأعدّوا له العدّة، وما العدّة إلاّ ترشيح المرشّح التوافقي، النّابض بقلب الحراك، والذي يمكن أنْ تجتمع عليه كلمة الجميع، لكن الحراكيين فشلوا في أوّل اختبار مصيري لهم". اهـ

لقد كان بأيدينا توفير ظروفٍ للانتخابات أحسن ممّا عليه الآن؛ إذْ توفّرت لدينا بعد تأجيل الانتخابات مرّتين، المشاركة فيها بمرشّحٍ شعبيٍّ توافقيّ، وبمراقبةٍ دقيقةٍ تجعل مسألة تحقيق النّزاهة بأيدينا؛ لقد فازت الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ في تسعينيات القرن الماضي -كما يعلم الجميع- والإدارة النّظامية ومقاليد السّلطة كانت بأيدي أشدِّ حكّامٍ عرفتهم الجزائر، كيف ذلك؟! بكلِّ بساطة، لأنّ حزب الفيس كان مرشّح غالبية الشّعبي الجزائري، الّذي فَرض وجودَه وتتويجه بالمشاركة القويّة لصالحه حينها؛ فكيف والظّروف اليوم أقلّ سوءًا بكثير -حتى لا يُقال أحسن- مِن تلك التي كانت موجودةً تلك الأيّام!

أمّا التحجّج لمعارضة الانتخابات بتنظيمِها مِن طرف الحكومة تحت إشراف نور الدين بدوي؛ فهذه الأخيرة قد سُحبت منها جميع صلاحيّتها المتعلّقة بتنظيم الانتخابات، واستُلِمت مِن السّلطة الوطنية المستقلّة للانتخابات، المتكوّنة مِن شخصياتٍ نزيهةٍ بشهادة بعض الفضلاء -ولم يضرّ طعن البعض الآخر في أجزاء مِن جوانبها-.

وأمّا الدّستور؛ فعلى رغم اتّفاق الجميع في عدم صلاحيّة الكثير مِن موادِه، لكنْ لا يُمكن الخوض فيه بما يفتح شهيّة أنصار المجلس التّأسيسي؛ بل تعديله لا يُمكن أن يكون إلاّ بعد انتخابِ رئيسٍ للجمهورية تستقرّ تحت إدارتِه الأوضاع؛ ومع ذلك فقد تمّ ذلك في الشقّ المتعلّق بقانون الانتخاب منه، الّذي كان مِن الضّروريِّ إجراء تعديلاتٍ عليه في الفترة الماضية.

خامسا/ تحقيق مطلب تطبيق المادّتين السّابعة والثّامنة مِن الدّستور:

فلا يمكن تصوّر تطبيق المادّتين المشار إليهما إلاّ بما بيّنه الدّستور نفسه؛ فكما نصّت المادّة (7) على أنّ الشّعب مصدر كلّ سلطة، وأنّ السّيادة الوطنيّة مِلكٌ للشّعب وحده؛ قد بيّنت -أيضا- المادّة الّتي تليها، ألا وهي (8)، طريقةَ ممارسة الشّعب لسلطته وسيادته؛ حيث نصّت هذه الأخيرة على ممارسة الشّعب لسيادته بواسطة المؤسّسات الدّستوريّة الّتي يختارها، وعن طريق الاستفتاء وبواسطة ممثّليه المنتَخَبين.

ومَن زَعَم أنّ تطبيق المادّتين وممارستهما يكون على غير ما جاء به تفسيرهما قانونيّا، فإنّما يريد القفز على الانتخابات وتشديد الخناق على السّلطة المنظّمة لها، موهمًا عامّة النّاس أنّ تطبيق المادّتين يتمّ وِفْق الخيار السّياسي لا الدّستوري؛ بعضهم يقصد به مجلسًا تَأسيسيًّا تنهار به الدّولة ليُعاد بناؤها على مقاس جمهوريةٍ جديدةٍ مقطوعةٍ عن امتدادها التّاريخي الوثيق الصّلة ببيان أوّل نوفمبر، وبعضهم يقصد به مجلسًا انتقاليًّا يُسيَّرُ به البلد بطريقةٍ مؤقّتةٍ يطولُ زمانها وتسوء آثارها.

وعليه؛ فالممارسةُ الحقيقيّة للمادّتين السّابعة والثّامنة مِن الدّستور -بعد إنشاء السّلطة الوطنيّة المستقلّة للانتخابات-، إنّما تكون عبر صناديق يختار المنتخِبون مِن خلالها مرشّحيهم، أمّا ما يزعمه البعض مِن أنّ المرور عبر مرحلةٍ انتقاليّة يُشرف عليها شخصٌ يرتضيه الشّعب، نمضي مِن خلالها إلى انتخابات في ظروف يرتاح لها الجميع؛ فهو أمرٌ كنتُ مِن المشاركين في مطلبه قبل سَحْب صلاحيّات تنظيم الانتخابات مِن حكومة بدوي غير الموثوق فيها مِن طرف الجميع، وجعلها مِن اختصاص السّلطة الوطنيّة المستقلّة للانتخابات الّتي لم تُنشأْ إلاّ لهذا الغرض.

سادسا/ قطعُ الطّريق على المتربّصين بالجزائر في الدّاخل والخارج:

فما اصطفّ المتربّصون اصطفافَ قطّاع الطّرق عند مُنعرج الانتخابات، إلاّ لعِلمِهم بآثارها على سوقِهم الفوضويّة الّتي يسعون فيها لجني أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب والأرباح قبل هدمِها؛ وما أولئك الشّباب الّذين نقلت لنا عدسات التّصوير ممارساتهم العنيفة الّتي سَوّرت مداخل البلديّات، أو حطّمت صناديق الاقتراع، أو حاصرت معظم المترشّحين، أو تحرّشت ببعض المنتخبين؛ بل تجرّأت على بعض الأئمّة الفضلاء والمشايخ الخطباء! ثمّ تناقلها بعض المحسوبين على النّخبة من السّاسة والنّشطاء والإعلاميين على سبيل التّأييد والإشادة! حتّى اشتهر بعضهم بجملة "حيّا الله الأحرار" تشجيعًا منه لصنائع الأغرار! لهو أمرٌ يدلّ على أنّ وراء الأكمة ما وراءها...

طبعًا، أنا لا أقصد عموم أمّة الحَراك الظّاهرة، الّتي لا يشكّ أحدٌ في صدقِ نيّتها في الانتقال بالبلد إلى ما يصبو إليه الجميع؛ بل إنّ صفة التربّص لا تليق إلاّ بالمجموعة الخفيّة الغريبة بأفكارها ومبادئها عن الأصالة والوطنيّة، صاحبةِ الأصوات النّاعقة، المغامرةِ بمصيرِ البلد الّذي أصبحنا نرى فيه المواقف المشحونة بالكراهية في تزايد.

لقد اشتدّ عود هؤلاء الأوغاد بجمهورٍ غفيرٍ يشذّون عن أصالته، تمكّنوا مِن التّأثير على اتّجاهاته وشعاراتِه ومطالبِه عبر قنواتِهم الإعلاميّة القويّة والمتنوّعة -للأسف-؛ لم ينغمسوا بين صفوفِه إلاّ بعد مطارداتٍ متكرّرةٍ ضدّهم في أوّل الأمر، ومحاولةٍ لتوجيه النّاس إلى حَراكِم في يوم آخر غير الجمعة! قبل تمكّنِهم مِن الانغماس وهم الّذين كان منهم مَن يرفع شعارات اللاّئكية واللاّفتات المناقضة لبيان أوّل نوفمبر؛ بل قد وُجد منهم مَن كان يُصفّر ضدّ الهتافات المناديّة بالدّولة الإسلاميّة! إلى أنْ تقدّموا فكانوا عند مقدّمة الحراك! فلا تكد ترى في الإعلام -لا سيما الغربي منه- إلاّ صورهم وراياتِهم وشعاراتِهم وهم يصرّحون رافعين المطالب بخلفية شعبية مِن ورائِهم، إيهامًا بأنّ صوتهم مِن صوت الشّعب! لا يطالبون بتوفير الشروط وتهيئة الظروف لانتخابات نزيهة؛ وإنّما الدّخول بالبلد إلى مرحلة انتقالية برسمهم وعلى طريقتهم، وإلاّ فما بال كلمات الدّكتور أحمد بن محمّد التي كان يرسلها كلّ جمعة عبر مكبّرات الصّوت، لم تحظَ بأيّ بثٍّ في قناةٍ من قنوات إعلامِهم؟!

وما شعارُ (ما كانش انتخابات مع العصابات) إلاّ جرعةٌ حاضرة للحفاظ على زخم الحَراك، حتّى تُتجاوز الانتخابات بمزيدٍ مِن مستوى الضّغط السّلبي المؤدّي إلى الاصطفاف والصّدام، ليأتي تبرير الاستعانة بالبرلمان الإفرنجي -وقد حَصل-، ثم الدّخول في المجهول وقلوبنا على أيدينا.

وما تحويل شعار "جيش شعب خاوة خاوة، وولاد فرنسا مع الخونة" -على سبيل المثال- الّذي كان حاضرًا بقوّة في الشّهور الأولى مِن الحَراك، إلى شعار (جيش شعب خاوة خاوة، القايد صالح مع الخونة)؛ إلاّ أكبر دليل على وقوعِ الاختراق في الحَراك والتّحريف لمَسارِه؛ حيث كلّنا يعلم عن ذلك التّجاوب الكبير الّذي كان بين الشّعب وقائد الأركان، الّذي وعد المتظاهرين بمرافَقة حَراكم ومحاسبة الفاسدين فوفّى بوعده..؛ فمَن يؤذيهم سبّ اولاد فرنسا ويُسعده شتم القايد صالح الّذي وقف الموقف الإيجابي مع شعبه ضدّ أذناب فرنسا إذن، إنْ لم يكونوا سوى أولئك المتربّصين؟!

وإنّه لا شيء -اليوم- أنجع لقطع الأيادي المتربّصة بالجزائر في الخارج وفضح عملائِها بالدّاخل مثل الانتخابات؛ فهي بوّابةُ الاستقرار الّتي تستعصي على المكائد اقتحامها، إذْ لا تجد الهوام نفسَها ويقوى وجودها فيشتدّ إضرارُها، إلاّ في بيتٍ مضطربٍ غير مرتَّب المتاع!

سابعا/ غلقُ الباب في وجه التدخّل الأجنبي في شؤوننا الدّاخلية:

الحقيقةُ الّتي لا ينبغي أنْ يتهاون معها جزائريٌّ في قلبه ذرّةٌ مِن الغيرة على بلده، هي تلك الأصوات المسمومة المُخترقة للشّأن الدّاخلي الّتي لاتزال في تصاعُد، ممّا قد يرفع نسبة تعرّض الجزائر إلى خطرٍ حقيقيٍّ يظنّه المغفّلون مجرّد تخويف مبنيٍّ على استيراتيجيّة صدمةٍ رسمَها النّظام لتمديدِ بقائِه..، حتّى زَعَم بعضهم أنّ تدخّل البرلمان الأوروبي الأخير وقبله جهات فرنسية رسميّة في الشّأن الجزائري، ما هو إلاّ حيلةٌ مصطَنعة تمّ حَبْكها مِن الطّرفين، لزرعِ الحميّةِ والتحدّي العاطفي في قلوب الجزائريين، فيسارعون إلى الانتخابات!

ألا فاحذروا! لقد وقع ما كان مُتوهَّمًا واسْتبعده الكثير، معتبرين إيّاه قبل وقوعه مُناورةً مِن السّلطة؛ قبل أنْ يعقد برلمان الاتّحاد الأوروبي جلسته المشؤومة الّتي ناقش فيها أعضاءه وضع الجزائر الدّاخلي بطلبٍ فرنسيّ؛ فركّزت أغلب مداخلاتهم على اضطهاد الأقليّات النصرانية (المرتدّة) في الجزائر! وغلق الكنائس! والتّضييق على رفع الرّاية الأمازيغية! وأعقل القوم هو ذاك الذي تحدّث بأنانيّته في ضرورة دفع الفوضى عن الجزائر، لأنّ ذلك -كما قال بما معناه- سيعود بالضّرر على أوروبا عندما يتوافد إليها آلاف المهاجرين الجدد فرارًا من بلادهم!

ما كان لهؤلاء أنْ يتدخّلوا في شؤوننا بعقد جلسةٍ اختتموها بتوصياتٍ عُنيت بالجزائر، لولا كلاب الدّاخل الّذين تصايحوا عند عتبة أسيادهم -باعتراف بعضهم- يستسقون الحريّة المسمومة! وهم الّذين قد صرّحوا بمراسلاتهم مع البرلمان الأوربي وكشفوا عنها، فأبطلوا بأنفسهم تلك المزاعم الّتي اتَّهمت السّلطة بالمناورة.

والله ما تسارع القوم إلى أسيادهم بدثار الدّفاع عن الحريّة -وهم العبيد رغم أنوفهم- إلاّ لأنّ ضرع مزاياهم قد جفّ، وقنوات عمالتهم قد انسدّت؛ فعُلمت بهذا ضرورة المُضيّ إلى انتخابات لا تقبل التّأجيل، نقطع بها أسباب التدخّل وندوس على تلك التّوصيات؛ وإلاّ فإنّ الضّباع قد تحرّشت بفريستها، وتحرّش الوحوش لا يعقبه إلاّ ما هو أشدّ منه!

فإيّاي وإيّاكم مِن أقوال المستخفّين بإعلانِ البرلمان الأوروبي، فهم بين شريكٍ في التّآمر، أو مسيءٍ لتقدير حجم الخطورة، أو غافلٍ قد حُجب عقله عن الإدراك..؛ ومصيبتنا أنّنا نرى شرارة النّار بعيوننا، ثم لا نتصور التهابها إلا عند بيوت الجيران!

ثامنا/ استكمال مهمّة ملاحقة العِصابة واستكمال عمليّة محاسبتها:

فإنّ مطلب استئصال رؤوس العصابة ومحاسبتها، كان مِن مطالبنا الأساسيّة في الأشهر الأولى مِن الحراك؛ الّذي ما لبثنا أنْ بدأنا في حَصْدِ ثماره باكرًا؛ فتوالت الأخبار الإعلاميّة العاجلة الّتي كانت ولازالت تزفّ إلينا البشائر بالإعلان عن اعتقالات طالت أسماء عسكريّةٍ وسياسيّةٍ وماليّةٍ شهيرة؛ بل محاكمتها وإدانتها بعد ذلك، لم يتوقّعها أحدٌ منّا ولم نحلم بوقوعها في الماضي!

لم يَستبشر بتلك الأخبار ويُقدّر شأنها، إلاّ ملايين ضحايا تلك العصابة وأصحاب القضايا الصّادقة، أمّا الشّرذمة المَقيتة البائسة الّتي ما فتِئت تعمل على التّشكيك في وقوع الاعتقالات، أو التّقليل مِن شأنها، أو الطّعن في إجراءاتها، أو الانتقاد لظروفها؛ وكذلك موقفها مِن المحاكمات؛ فما كان منها ذلك إلاّ لمآرب خبيثة مدارها على ثلاثة أسباب: التّباكي على انقطاع الخيرات الّتي كانت تصلها مِن أولياء نعمتها، التّشويش على العدالة وتعطيلها عن مواصلة تحقيقات قد تُورِّط أسماءها، تقليبُ الأمور وغرس أفكارٍ سلبيّة في أذهان النّاس مفادها أنّ الاعتقالات والمحاكمات مجرّد حيلة يُريد بها النّظام امتصاص الحرارة وإضعاف العزائم.

وإنّ الإبقاء على الوضعيّة الحالية بحجّة عدم توفّر الظّروف لإجراء انتخاباتٍ تستأصلُ النّظام القديم، ما هو إلاّ تعطيلٌ ضعيف المُبرّرات يمدّ العصابةَ مزيدًا مِن الأوكسيجين؛ وحسبُك أنْ تُلقيَ نظرةً على ما صدَر عن بعض أقرانِهم وأذنابِهم مِن السّياسيين والإعلاميين المتظاهرين اليوم بمساندة الحَراك، مِن كتاباتٍ وكلماتٍ مفضوحةٍ كانت تُمجّد رؤوس العصابة والجنرالات الدّمويين في الماضي القريب، فضلاً عن امتيازاتٍ سياسيّةٍ وماليّةٍ وإعلاميّة مُنحت مِن قبلِ أولئك لهؤلاء –كما أشرت-، ثمّ تجدهم اليوم مِن أشدّ النّاس حماسًا في معارضة الانتخابات وأكثرِهم تشويشا على المحاكمات!

لم تكن هذه الاعتقالات -في الحقيقة- إلاّ بدايةَ التّطهير لعصابةٍ لاتزال جذورها متغلغلةً في الإدارات بشتّى قبّعاتها، ومِن هنا يتّضح أكثر موقفُ تلك الشّرذمة مِن الانتخابات الّتي تعلم جيّدًا آثار ما بعدها على فسادهم؛ فكان لا بدّ على كلّ عاقلٍ التّعجيل بالانتقال إلى عهد منجلٍ جديد يكون أكثر حَصْدًا وأشدّ قَطْعًا!

تاسعًا/ رفع الضّغط وكسر الحصار عن المؤسّسة العسكريّة:

أعلم أنّ ما سأقوله لا يُعجب الكثير، ولستُ بالّذي يبالي بالنّاس وآرائهم إذا قلتُ شيئا أظنّ فيه حقًّا، أو عالجتُ أمرًا أروم به صوابًا؛ فإنّما يُسأل العبد بين يدي الله -سبحانه- عن أعمالِه لا عن أعمال غيرِه؛ و[[إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا]].

لا أرى التّركيز على الشّعارات المناهضة لمؤسّسة الجيش والشّاتمة لقائد الأركان -خاصّة- بذلك الشّكل اللاّفت، إلاّ لأمرٍ قد دُبّرَ بليل فظُلّل به الكثير، وإذا بحثتَ عن الباعث على هذه المواجهة المُبالَغِ فيها وغير المفهومة، بعد قَبولٍ كانت تحظى به المؤسّسة وقائدها في المرحلة الأولى مِن الحراك؛ وجدتَ مَن يبرّر لك ذلك بانقلاب القايد صالح والتفاف المؤسّسة العسكرية على مطالب الحراك! كيف ذلك؟ سيقولون: قد أدارت المؤسّسة العسكرية ظهرها لمطلب تنحيّة الباءات الباقية، واستبدالها بهيئةٍ انتقالية تُنظم الانتخابات! -ولقد علّقتُ على المطلبين في فقرات سابقة ضمن هذا المقال-؛ والحقيقة أنّ الشّعارات المناهضة للمؤسّسة العسكرية وعلى رأسها القايد صالح، قد رُفعت على بعض اللاّفتات خلال الجمع الأولى في عزّ القبول الّذي كان يحظى به قائد الأركان لدى أمّة الحراك! قد شهدتُ هذا بأمّ عيني! مما يعكس النيّة المبيَّتة منذ اليوم الأوّل لضرب المؤسّسة العسكرية في مَقتل -وهي العمود الفقري للدّولة-، ويكشف غفلةَ الكثيرين الذين يسيرون على خطّها.

فإذا تحقّقنا من تبييت تلك النيّة في استهداف قيادة الأركان أوّلا؛ ثمّ اعتبرنا وقوع ذلك أيّام التّناغم بين أمّة الحراك ومؤسّسة الجيش ثانيا؛ ثمّ اكتشفنا عمق النيّة ومصدر الاستهداف المتمثّل في حثالة العلمانيين واللاّئكيين الأوفياء لوحوش العسكر -الّذين تواطؤوا معهم ومخابراتهم ضدّ الشّعب تاريخيّا إلى عهد قريب- ثالثا؛ ثمّ تطوّرنا إلى تركيز الحراك على ضرب قائد الأركان بشعاراته رابعا؛ ثم انتهينا إلى اتّخاذ شخصية (القايد صالح) المادّة الدّسمة في الإعلام الجزائري بالخارج والفرنسي عموما، فضلا عن منصّات شبكة التّواصل الاجتماعي عبر بعض اللاّيفات ونحوها...

عندها نعلم؛ أنّ الأمر قد تمّ التخطيط له بإحكام، حتّى أُوهم الحَراك بعدم تحقّق أيّ شيء مِن المطالب! فاشتدّت معارضة المتظاهرين لانتخابات قد صُوّرت لهم بأنّها وسيلة لتجديد النظام الّذي خرجنا مِن أجل مطاردتِه، وبالتّالي حتمية التّركيز على مواجهة الحامي لذلك النّظام: القايد صالح! ثمّ إذا تدبّرنا الأمور وتحرّينا في مجريات الأحداث في هدوء، بعيدًا عن حماس وضجيجٍ يحبس اللّبيب عن التّفكير؛ سنكتشف أنّ العقل المدبّر الّذي بسببه انحرف الحراك عن مطالبِه الحقيقيّة وفسدت بوصلته فاشتبه في عينِه الفَرس والخنزير؛ هم حرّاس الوصاية الفرنسيّة والمتعوّدون على الابتزاز السياسي الّذين اتّحدوا مع أعداء الخارج وخونة الدّاخل، على توجيه ضرباتٍ للمؤسّسة العسكرية بترسانةٍ سياسيّةٍ وإعلاميّةٍ ضخمةٍ استهدفت تضليل الرّأي العام وتأليبه على جيشه؛ مِن خلال اتخاذ المؤسسة العسكرية وعلى رأسها قايد الأركان هدفا يأخذ حصة الأسد مِن أحاديثهم على الأستوديوهات! لإدراكِهم بكلّ -بساطة- أنّ نهايتهم ومرضعتهم ستكون بانتخابات تلقي بهم في مزبلة تاريخ الخزي والعار.

وإلاّ فإنّ الحقيقة في الهجوم المستمرّ على القايد صالح ومن حوله حاليا؛ لا علاقة لها بالدّفاع عن الحقوق ولا بحماية المتظاهرين؛ وإنّما السرّ في أنّ المؤسّسة العسكرية قد تغيرت وقرّرت قطع الوصاية الفرنسيّة على الجيش والرّجوع به إلى الحاضنة النوفمبرية في أصالتها ووطنيّتها؛ بشهادة أشرافها الذين قبعوا في سجون كابرانات فرنسا والتوفيق دهرًا، فضلاً عن تصفية وتعذيب بعضهم وإحالة آخرين إلى التقاعد في عزّ العَطاء، وما كان هذا ليكون لولا سعي رجال الجيش الصّادقين في تصفية المؤسّسة العسكرية مِن الخَونة وعبيد فرنسا، ولا زلنا نسمع ونقرأ البشائر عن التحوّلات الميدانية في قلب الجيش.

ثمّ نجد الرّجل الذي يعدّه الكثير مِن الإمّعة اليوم رأسًا للعصابة -أعني قائد الأركان القايد صالح-، هو نفسه من شهّر بكلمة (العصابة) من خلال خطاباته الأولى التي حملت البشرى وفرح بها الشّعب -وأهل الحراك خاصّة-! أين أعلن عن عزم الجيش على تخليص الشّعب الجزائري من العصابة وتطهير البلد منها! قبل أن تنقلب الأمور ويتعامل الكثير مع البشرى بكفران النعمة وعدم العِرفان –للأسف الشّديد-.

وإنّني لأخشى أن نكون ممن بدل نعمة الله فكفروا بها لما جاءهم ما عرفوا، فتُرفع عنا على أيدينا؛ وإلاّ فلنقارن بين عسكر الأمس وجيش اليوم في تعامله مع المظاهرات التي لم تُرَق قطرة دم خلالها، رغم الاستفزازات والشّتائم التي كانت تطال رجال الأمن مِن طرف البعض، لنُدرك الفرق بأمّ أعيننا؛ إنّه الفرقُ الظّاهر لكلّ منصفٍ، بين فرقِ موتٍ ذبّحت الرّجال واستحيت النّساء وسَجنت الأبرياء، مِن خلفها هجينٌ ذميم مِن العلمانيين كان حليفًا لها؛ وبين جيشٍ يسهرُ على أمنِ شعبه ويحميه في مظاهراتِه ويمدّ له العون لتحقيق مطالبِه –إلاّ ما كان مِن تجاوزاتٍ فرديّة غير منظّمةٍ لا تكاد تُذكر-.

عاشرًا/ استنفادُ الحَراكِ لأسباب استمرارِه:

وأقصد بالحَراك هنا، الحَراك الأصيل الّذي كان موحّدًا في أسبابِه وشعاراتِه ورايتِه؛ وفي أهدافِه ومطالبِه الّتي قد تحقق أساسها في المرحلة الطبيعية المناسبة لها -مرحلة الشّارع-؛ المتمثّلة في: إبطال العهدة الخامسة، إيقاف تمديد الرابعة، محاسبة رؤوس العصابة، واستبعاد بدوي وحكومته مِن الإشراف على الانتخابات.

أمّا المطالب الأخرى، فلا يُمكن تصوّر تحقيقها عبر الشّارع؛ بل مرحلتها الطبيعية المناسبة لها تكون بعد انتخاباتٍ رئاسيّة يُتوّج مِن خلالها رئيس جمهوريةٍ منتخبٍ يُشرف على تلبيّتها تحت متابعة الجميع؛ فليس كلّ المطالب يتم طرحها عبر الشارع! وإنّما الأمر بمثابة البيتِ الهشّ يمرّ المشروع على أرضه بمرحلتين: إزالةُ ما تقادم بالهدم، ثمّ إنشاءُ ما تجدّد بالبناء، واستمرارُ الحَراك على المسار التّصاعديّ في منحناه، قد أعقبته بعد وصولِه إلى الذّروة حالةٌ تنازليّةٌ سلبيّة تقترب مِن الحالة الصّفرية كلّ يوم..؛ وهنا مكمنُ الخطر ومبدأ الصّدام -لا قدّر الله-!

لقد استنفدَ الحَراك جميع مبرراته للاعتراض على الانتخابات مرّة أخرى، لمّا ضيّع فرصة الدّفع بمرشّح شعبي يشارك في انتخاباتٍ قد استقلّت بتنظيمها (السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات)، الّتي رفض المشاركة ضمن مكوناتها ومكونات الهيئة التمهيدية لها (لجنة الوساطة والحوار)؛ بل خُوّن كل من اقترب للمشاركة فيهما، كما خُوّن بعض المترشِّحين للانتخابات الرئاسية رغم شهرة عدالتهم وأمانتهم! لتأتي النائحة المستأجرة تتباكى على تمخّض الخمسة أسماء المترشّحة عن بقيّة المترشّحين، بعدما عَدم أمثال الدّكتور الفاضل فارس مسدور حاضنةً شعبية كانت القوّة المفترضة لتملأ له استماراته!

ولهذا الاعتبار، قدّرتُ فكنتُ لتنظيم الانتخابات في التاريخ المسطر لها من المؤيدين، ما دام بديل القوم -اليوم- هو الدّخول في مرحلة انتقالية لا يقيّدها دستور، مما يفتح باب المغامرة بمستقبل الجزائر؛ إلاّ أن يحدث تأجيلٌ يُعطي فرصة لاستدراك خطأ تجاوز الانتخابات التي هي الآلية الحقيقية والقانونية لتطبيق المادتين 7 و8، فيستعد الجميع للمشاركة بمرشح شعبي ترتضيه الغالبيّة.

أخوكم محمّد بن حسين حدّاد الجزائري
الأربعاء 14 ربيع الثّاني 1441هـ،
الموافق 2019.12.11م

12.23.2013

كَفُّ العِتَاب بِبَيَانِ مَا وَرَدَ فِي تَقْرِيرِ النَّهَارِ مِنَ الصَّوَاب


كَفُّ العِتَاب بِبَيَانِ مَا وَرَدَ فِي تَقْرِيرِ النَّهَارِ مِنَ الصَّوَاب

 

أثار تقرير قناة النّهار الفضائية الموسوم بـ "عندما تتحوّل طالبات العلم إلى بائعات للهوى" في برنامج "سرّي جدًّا"، ردودَ فعلٍ مختلفة، بين مُؤيِّدٍ ومُعارضٍ ومُتحفِّظ، فقد تمكّن بعض صحافييّ القناة مِن اختراق أسوار بعض الإقامات الجامعيّة بالجزائر، للوقوف عند حقيقةِ ما يُشاعُ ويُذاع حول الحوادث المُخلّة بالحياء في هذه الإقامات.
فقد أطْلعَنا البرنامج على الوقائع التاليّة:
- دخولُ فتيات لا علاقة لهنّ بالإقامة إليها بشتّى الطّرق والحيل، وربما بالتواطؤ مع أعوان الأمن أحيانا.
- تجوّل بعض الشّباب داخل أروقة ومراكز تجمّع بعض الإقامات بدون سبب.
- صعود بعض الأعوان إلى غرف الإقامة، بعد اتّفاقٍ مع بعض المقيمات على السّهر، أو دعوةٍ إلى عَشاء.
- تجمّل بعض المقيمات ليلا تجمّلا يشير إلى استعدادهنّ للخروج في سهرة.
- خروجُ ودخول الفتيات بين ساعتَيْ الثّامنة والعاشرة ليلا مِن المدخل الرّئيسي تحت أعين الأعوان.
- تسلّل بعض البنات خفية إلى خارج الإقامة بعد منتصف اللّيل بألبسة فاتنة وقصيرة.
- سيّارات فخمة تنتظر فرائسها على الطّريق السّريع أمام بعض الإقامات ليلا؛ تأخذها إلى شقق مؤجّرة، أو ملاهٍ ليلية، أو فنادق فاسدة تخرق القانون خرقا.
- عودة بعض الفتيات الخارجات قبل بزوغ الفجر خفية؛ بل صباحا أحيانا، بعد سهرة طويلة.
- تواطؤ بعض الأعوان في إخراج الطّالبات في الوقت الممنوع بعد توقيف كاميرات الحراسة، مقابل رشوة أو جلسة خاصّة.
- تواطؤ بعض ساكني الإقامات في إخراج الطّالبات بعد وضعهنّ في الصّندوق الخلفي لسياراتهم.
- تواطؤ بعض الطّبيبات مع سائق سيارة إسعاف في إخراج المقيمات ليلا، مقابل مبالغ مالية بعد تظاهر بالمرض.
- وقوف لافت لسيّارات العشاق انتظارا لمعشوقاتهم أمام الإقامة، ليأخذونهنّ ثم يُرجعونهن، وإذا تأخّروا عن الإرجاع في الوقت المسموح بالدّخول، كانت الرّشوة حلاّ.
- خروج بعض المقيمات لملاقاة الأخدان تحت سواد اللّيل، على مقربة مِن الإقامة.
- عُريٌ وصَخبٌ في بعض غرف الإقامة، يَسْمرْن صاحباته حول زجاجات خمر ومسكرات.
- انعدام الرّقابة في بعض الإقامات، فتُدخل مَن شاءت ما شاءت مِن خمر ونحوه.
كانت هذه خلاصة وقائع معروضة عبر البرنامج المذكور بعد مشاهدات مُصوّرة وشهادات مُسجّلة؛ بل واعترافات مِن بعض الضّحايا، وهي حقائق معروفة لدى العام والخاص ليس لقناة النّهار فيها إلاّ تفاصيلها.
فلماذا ينقم بعض النّاس عَرْضَ قناة النّهار وماذا ينقمون؟
لقد اسْقرأتُ مواقف المعارضين محتوى البرنامج، فألفيتُها تدورُ حول ثمانية أسباب ظنّية، أذكرها معقّبا على كلٍّ منها بردٍّ خاص بعد ذلك.
أوّلا: الظنّ بأنّ فيه تعميمٌ ظالمٌ يأخذُ البريءَ بجريرة الخاطئ.
ثانيّا: الظنّ بأنّ فيه عَرْضُ صورةٍ سيّئةٍ مُشوَّهَة عن طالبات الجزائر العفيفات.
ثالثا: الظنّ بأنّ فيه هتكٌ للسِّتر وفضحٌ للمستور.
رابعا: الظنّ بأنّ فيه تأليبٌ للفَسقَة الفاسدين على الطالبات.
خامسا: الظنّ بأنّ فيه زرعٌ للإرتباك في وسط عائلات سمحت لبناتها بالإقامات الجامعية.
سادسا: الظنّ بأنّ هذا العمل فيه إشاعةٌ للفاحشة.
سابعا: النّظرةُ السّلبية من طرف البعض لمسار القناة وسياستِها.
ثامنا: الظنّ بأنّ القناة قد غفلت عمّا هو أولى بالكشف والمعالجة.
وهذه كلّها ظنونٌ سيّئة وأقوالٌ واهمة، وإنْ ارتفعت بها بعض الأصوات عبر الإعلام والمنابر، وانطلقت انطلاقَ الغيرةِ على الأعراضِ والحرائر.
فأمّا الظنّ بأنّ البرنامج فيه تعميمٌ ظالم يأخذُ البريءَ بجريرة الخاطئ، هو ظنٌّ قد أفصح عنه أغلب المعارضين، غافلين أو متغافلين عن عدم تضمّن التّقرير لأيّ كلمةٍ تُفيد التّعميم المزعوم، سواء على مستوى كلّ الأحياء الجامعية، أو على مستوى الإقامات الّتي اختيرت كعيّنات للتّحقيق؛ بل ثمّة دليلٌ منطوقٌ يُفنّد هذا الظنَّ ويُكذّبُه، إذْ قد ورد في آخر البرنامجِ نفسِه على لسان إحدى الصّحفيتين المُعدّتين له، قولُها بصريح العبارة: "علينا الإشارة إلى أنّ بعض هذه الصّور لا يعني تعميم واقع كلّ الإقامات، الّتي لا تزال طالبات البعض منها، تُحافظن على شرف عائلتهنّ".
وأمّا الظنّ بأنّ فيه عرضٌ لصورةٍ سيّئة مُشوَّهة عن طالبات الجزائر العفيفات؛ فليس الأمر بهذا البعد، ذلك أنّ العالم أصبح قرية واحدة، ما يُخفيه الإعلام المرئي قد تكشفه قنوات أخرى لا تقلّ أهمية عنه؛ بل ربّما كان حجم متابعة هذه الأخيرة أعظم من الأوّل بكثير، والشّبكات الاجتماعية عبر الانترنت خير أنموذج.
يُضاف إلى هذا، أنّ واقع الإقامات الجامعية للبنات، لا يقتصر على الجزائر فقط، فربّما اقتدت بعض القنوات في بلاد أخرى بقناة النّهار في معالجتها للمشكلة، فكانت هذه حسنةً مِن حسناتها.
أمّا المغرضون والحاقدون على الجزائر في العالم، فهم يبتكرون الأمور ويزيّفون الحقائق ضدّ البلد ومجتمعه، مهما كان الواقع بحُسنه وقبحه؛ وإنّ إعلان الإنكار على واقع سيّء، قد يكون خيرَ دليل على براءة عموم المجتمع من الرّذائل، ذلك أنّ السّكوت عنها إنْ وُجدت والإسرار بإنكارها إذا ظهرت، فيه إيهام بالرّضا بها وإقرارها.
وأمّا الظنّ بأنّ فيه هتكٌ للسِّتر وفضحٌ للمستور؛ فهو مردودٌ بعدم تناول موضوع البرنامج لأشخاص معيّنين أو حالة شاذّة؛ بل تمّ التّركيز مِن خلاله على واقعٍ أصبح معلومًا لدى عموم النّاس، لم يتمّ فيه إظهارُ صورةٍ ولا كشفُ هويّة، ولا إخراجُ حالةٍ شاذّة إلى العلن.
وأمّا الظنّ بأنّ التّقرير فيه تأليبٌ للفَسقة الفاسدين على الطالبات؛ فهو ظنٌّ يُناقض نفسَه بنفسِه، إذْ أنّ تجرّؤَ هؤلاء الصّعاليك موجودٌ ومعلومٌ قبل بثّ تقرير القناة؛ بل ما تمّ إخراجُه إلاّ مِن أجل كفّ تلك الاعتداءات، تلبيةً لطلبٍ ملحٍّ مِن طالباتٍ تقدّمن به إلى قناة النّهار مُشتكياتٍ الفساد الأخلاقي في بعض الإقامات، والاّتي ذُقن مرارتَه مِن خلال المساومات الّتي تعرّضن إليها والتحرّشات؛ بل وإلى التّهديد أحيانا!
وأمّا الظنّ بأنّ فيه زرعٌ للإرتباك في وسط عائلاتٍ سمحت لبناتها بالإقامات الجامعية؛ فهو نتيجةٌ ضروريةٌ إذا حصل، فرُبَّ خوفٍ أنتج أمنًا وأمانًا، ورُبّ غفلةٍ أفرزت هلاكًا وضياعًا، وعندنا في المثل الشّعبي: "خذ الرّأي الّذي يُبكيك، ولا تأخذ الرّأي الّذي يُضحكك".
وإنّ مِن حقّ الآباء وأولياء الأمور، الاطّلاع على ظروف بناتهم حيث يُقمن، إذْ ما دفعهم إلى السّماح لهنّ بالانتقال إلى الجامعات بعيدا عن العائلة، إلاّ تمنّي نجاحهنّ نجاحًا قد حفّته سلامتهنّ في كلّ مراحله؛ إنّه حقُّ الرّاعي في العِلم بحال رعيّتِه؛ ثمّ للأولياء بعد ذلك أن يُقدّروا وينظروا ما هو الأصلح لبناتهم بين الاستمرار في الإقامة والانْقطاع.
وأمّا الظنّ بأنّ هذا العمل فيه إشاعة للفاحشة؛ فهو ظنٌّ قد أخطأ أصحابه، إذْ أنَّ هذا الأمر أصبح معروفا لدى العام والخاص – كما ذكرتُ -، أمّا إشاعةُ الأمر وفحشه، فلا أظنّه يحصل إلاّ في حالات – ظهرت لي - تصلح ضوابط للحكم على كون الحديث عن أمر ما، ستنتج عنه الإشاعة المذكورة؛ وهي خمس:
الحالة الأولى/ الدّعوة إلى الفاحشة صراحة، وترغيبُ النّاس فيها.
وهذا لم يتضمّنه التّقرير قطعا ويقينا.
الحالة الثّانية/ كون الفاحشة نادرة من حيث الوقوع أو معزولة، فالحديث عنها وإعلان إنكارها حالتئذ، هو إظهارٌ لما لم يظهر من الأمور، وكشفٌ لفحش مستور.
وواقع تلك الإقامات معلوم غير مجهول – كما أشرتُ -، مما صيّره ظاهرة خالية من صفة النُّدرة والعُزلة.
الحالة الثالثة/ عرضُ الأمر المقبوح دون انكارِه صراحة، أو عدم اقتران العرض بما يدلّ على عدم الرّضا.
وإنّما عُرض التّقرير للتّحذير من الظاهرة وإنكارها – كما هو ظاهر وواضح -.
الحالة الرّابعة/ التّكرار والإكثار من الحديث حول الفاحشة بتفاصليها – ولو من باب التّشديد في الإنكار -، وهذا ممّا قد يقتل عِظم جُرْمها في النّفوس فتقع النتائج العكسية! وقد قيل: "إذا كثر الإلماس قلّ الإحساس".
ولم يقع أنْ أُعدّ تقريرٌ مماثل أو مشابه؛ فكان عرضُه ضرورة شرعية واجتماعية غير مسبوق.
الحالة الخامسة/ عدم إنكارِها والسّكوت عن أصحابها ودُعاتِها، لجبنٍ أو غفلةٍ أو سوءِ تقدير.
وهذا أخشى أنْ يكون قد وقع فيه بعض المعارضين أنفسهم، وإنّي سمعتُ إمامًا يخطب على المنبر ناقمًا على تقرير القناة بشدّة، وكان الأولى بمثله أنْ يحمده ويمدحه، كيف وقد ارتقى منبر الدّعوة والإصلاح؟!
وأمّا النّظرة السّلبية من طرف البعض لمسار القناة وسياستها؛ فلا يجوز أنْ تعمى أبصارُ هؤلاء عن الحقّ ولو جاء مِن الأنفاق، فإنّ هذا مِن التّطفيف وسوء الأذواق، ولم يَقمْ الحقّ ُإلاّ بالإنصاف، ولم يتمكّن الباطل إلاّ بالإجحاف؛ [[وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا]] (الأنعام: 152)، [[وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا]] (المائدة: 8).
 
فينبغي أنْ يُنتصرَ للحقّ ويُشدَّ على أيدي أصحابِه مهما كان مصدره، اسْتكثارًا للخير واسْتزادَةً منه، وليست قناة النّهار شرٌّ محض لا يُخرِجُ إلاّ باطلاً؛ بل ثمّة أشياء تُحمدُ وتُشكر، ولكلِّ مقامٍ مقال.
وأمّا الظنّ بأنّ القناة قد غفلت عمّا هو أولى بالكشف والمعالجة، حتّى دعَا البعض مستنكرًا التّقرير، إلى الحديث حول الظّروف المادية المتدهورة في بعض الإقامات الجامعية، وعلّقَ البعض الآخر متسائلاً: لماذا لا تُطرحُ القضايا الكبرى مثل قضية اختلاسات "شكيب خليل"؟!
إنّ الأصل أنْ لا يُطلب مِن شخصٍ أو مجموعةٍ أو هيئة الحديثُ عن كلّ شيء، إلاّ بعد التأكّد مِن عدم حديثه المطلوب أوّلا، وكونه داخلاً في إمكانِه وقدرتِه ثانيا، ثمّ يُترك لتقديرِه واختيارِه ثالثا.
ومِن الجدير بالمرء أنْ يبادر بنفسِه إلى التحرّك لما يُشغله قبل أنْ يطلب ذلك مِن غيره، إلاّ إذا كان الأمر فوق قدرته وطاقته؛ ومِن المعلوم أنّ القناة قد تطرّقت إلى بعض هذه القضايا، والتي منها قضيّتَيْ تدهور الظروف الماديّة لبعض الإقامات، وتلك الاختلاسات.
ويبقى أنْ أقول جوابًا عن هذا الظنّ: هل أضحت المشاكل المتعلّقة بالمادّة والمال، أعظم خطورة وأولى عِلاجًا مِن السّهام التي تتهدّد الشّرف والعِرض؟!
وأخيرا؛ كانت هذه كلمةً أردتُ بها الحقَّ دفاعًا عن الحقّ، لم أقصد بها تزلّفًا ولا تملّقًا ولا مُداهنةً، وإنّما أمْلت عليّ حروفَها الغيرةُ على أخواتنا وبناتنا مِن أن يَعبثْنَ أو يُعبَث بعفافهنّ، والوقوف مع مَن سار في هذا المقصد تنبيهًا أو تحذيرًا أو تحسيسًا؛ وأنا مِن الشّاكرين لقناة النّهار الفضائيّة وطاقمها المعدّ لذلك التّقرير، وعلى رأسه الأختان الصحافيّتان "ياسمين خالفي" و"حنان بدر الدّين"، متمنّيا لهم التّوفيق في معالجة قضايا أخرى معالجةً تعود بالخير على البلاد والعباد.
وعلى المعارضين لمثل هذا التّقرير أنْ يُخرجوا رؤوسهم مِن الرّمال وينظروا إلى الواقع بعين الحِكمة والبصيرة، ثمّ يضعوا أيديهم في يدِ كلّ مَن سعى إلى الإصلاح قبل أنْ تغرق السّفينة.
وعلى الآباء أنْ يعتبروا ويحرصوا على بناتهنّ حِرصَهم على أنفسهم، فلا يتركوا الحبل على الغارب؛ ولا ينبغي أنْ يتساهلوا مع اختيارات بناتهم للجامعات التي ينتقلن إليها، ولْيهتمّوا بهنّ - في كلّ الأحوال - مِن خلال التربية الصالحة والمتابعة الدقيقة والمحاورة اللّطيفة.
وعلى الجهات الوصيّة المسؤولة، أنْ تُسارع إلى مراجعة التنظيمات والقوانين التي تحكم الإقامات الجامعية، ومن ثمّ ابتكار الحلول لعلاج المشكلة ورفع المصيبة، ومِن تلك الحلول بعد قيام الأسرة بدورها:
- معاقبةُ كلّ مدير إقامة له يد أو أثر في فوضى أو إهمال أو تسيّب أشار إليه التّقرير، باعتباره المسؤول المباشر عن سلامة المقيمات.
- مراجعة نظام الاختيار الجامعي، فلا يُمنح للبنت الحقّ المطلق في الاختيار؛ بل ينبغي أنْ يُراعى فيه عدم التخصّص في محافظتها، ثمّ الأقرب فالأقرب منها.
- إنشاء المصلّيات، وتكثيف النّشاطات التّربوية داخل الإقامات، بهدف البناء الرّوحي والتّهذيب السّلوكي.
- توظيف مرشدات أو التّعاقد معهنّ، للقيام بدورات إرشادية دينيّة ونفسية في الإقامات.
- إخلاء الجنس الذّكوري مِنها تماما، سواء على المستوى الإداري، أو الطبّي، أو الأمني؛ وقد وقع أنْ كوّنت الدّولة شرطيات تمّ توضيفهنّ، ألا يُمكن أن يحدث هذا فيما هو أولى وأيسر؟! فتُوظِّف مديرية الخدمات الجامعية نساء في منصب عون أمن، بعد تكوين خاصّ وتحرٍّ لأخلاقهنّ.
 
- تشديد الرّقابة فيها، مِن خلال الحزم في ضبط مواقيت الدّخول والخروج، والتّفتيش والقيام بدوريات بين الغرف؛ بل داخلها عند الاقتضاء، وهذا يقوم به نساء قد أنيطت بهنّ هذه المهمّة - كما أشرت -.
- استحداث دفتر حُسنِ السّيرة والأخلاق لكلّ فتاة مقيمة في الحيّ الجامعي، تتمّ متابعتها ومحاسبتها مِن خلاله.
- التّنسيق مع أولياء أمور المقيمات في كلّ مراحل الإقامة، فيما يتعلّق بحضورها وغيابها وسيرتها.
- الاستعانة بالشّرطة في إحلال الأمن والسّلام عند حدود مدخل الإقامة، فيُمنع كلّ وقوف للسّيارات أو الأشخاص، قطعا للمساومات والمعاكسات ووسائلها.
هذا؛ وأسأل الله أنْ يحفظ أخواتنا وبناتنا في الحال والمآل، وأنْ يدفع عنهنّ ما يُذرِفُ الدّمع ويُشغل البال.

أخوكم محمد بن حسين حداد الجزائري
tarekzyad@gmail.com
يوم السّبت 18 صفر 1433هـ
الموافق 2013/12/21م
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 

 
 

 

 
 
 
 

 

 

 
 
 
 

 
 

 

 
.
 

 

 

 
 
 

 
 




11.03.2012

سُورِيَّة... بَيْنَ مَطَارِقِ القَهْرِ وَبَشَائِرِ النَّصْرِ

سُورِيَّة... بَيْنَ مَطَارِقِ القَهْرِ وَبَشَائِرِ النَّصْرِ
 
لقد سَطَّرَ الحديثَ عنْ سورِيَّة دماؤُها، وأَمْلى الكلامَ حَولَها صيْحاتُها؛ أينما أَصْغيْتَ إلى لغاتِ مُدنِها وضَواحيها مِن "دَرعا" و"حَماة"، و"الحسكة" و"دير الزّور"، و""إِدْلب" و"بانْياس"، و"حَلَب" و"اللاّذقية"، و"الرقة" و"دِمشق" وريفِها، و"طرطوس" و"حِمص" وبابَيْ عَمرِها؛ ظَهر لكَ ذاكَ اللّون، وتردّدَ عليك ذاتُ الصّوت؛ أمّا اللّونُ، فلونُ دمٍ قد سفكَه طغاةٌ مجرمون، وأمّا الصَّوتُ، فصوتُ بكاءٍ وعويلٍ امْتزجَ بصيحاتِ التّكبيرِ وشعاراتِ التّحرير.
لقد بلغَ صنيعُ النّظامِ السّوريِّ الإجراميّ بجَيشِه وشبّيحَتِه مَبلغًا لا يُطاق، وهو يُقتِّل الأبرياءَ تقتيلاً ساديًا، فضلاً عن هَتْكِ أعراضِهِم بالاغْتصاب، وتسليطِ العَذابِ عليهم تِلوَ العَذاب، والمحظوظُ مِن هؤلاء المُستضعفين مَن نَجَى بنفسِه وأهلِه، فرارًا مِنَ القِوى النِّظامية الوَحشية الضّارية إلى بعض البلادِ المُتاخِمةِ لاجِئًا، مُستأمِنًا جسدًا قد تركَ قلبَه في الشّام للشّام.
ولم تَزِد الأيّامُ والشّهورُ على أهلنا في الشّامِ إلاّ تضييقًا وتمزيقًا، تحت ظِلِّ سكوتٍ عالميٍّ رهيبٍ قد شارك في الجريمة بصمتِه، على اختِلاف دوافِعِ القُعودِ وموانِع التحرُّك؛ حالٌ طالَ زمانُها وزالَ مبرِّرُها، ولم تَتطوَّرْ إلاّ إلى تسويفٍ مُمِلٍّ تحت عُنوانِ مُحاولةِ الإصلاحِ مِن الدّاخل؛ وليس في الدّاخِلِ إلاّ حربُ إبادَةٍ طائفيّةٍ تُخاضُ ضدّ شعبٍ أَعزَل يَنشُدُ الحرّيةَ ويُنشِدُها!
تسويفٌ أضاف لـ"بشّار" وجُندِه وأزلامِه جرعاتٍ وأنفاسًا، للزِّيادَةِ مِنْ طُغْيانِهِم وتَسلُّطِهِم على الشَّعبِ المُستضعفِ، ولا أدلَّ على ازْديادِ النِّظامِ السّوري في إرهابِه كلّمَا مَرّت الأوْقات، مِن تَضاعُفِ ضحايَا إِجْرامِهِ كَمًّا وكَيْفًا.
أمّا الكَمُّ؛ فحديثُ وسائلِ الإِعلامِ المُتنوِّعَةِ عن سُقوطِ آلافِ الضّحايا مُنذ انْطِلاق الثّورةِ السّورية السِّلميَة، بمعدّلِ العَشراتِ يوميًا[1].
وأمّا الكيفُ؛ فجُرأةُ طغاةِ سوريّة على رميِ الشّعب الأعزل بالصّواريخ والرّاجمات، بعدما كان التّقتيلُ يُكتفى فيه بالرّصاص الحيّ.
إنَّ قتلَ كلِّ فردٍ مسلمٍ جُرمٌ عظيمٌ أيًّا كانت طريقتُه، لكنْ قد تَكشفُ الطّريقةُ ما تُضمرُه قلوبُ القَتَلةِ مِنْ أحقادٍ وظُلمات.
إنّه تقتيلٌ عبّرَت عنه العُيون بعَبَراتِها، وقد شاهدَت مِن المجازِرِ والمذابِحِ ما أذْهبَ فصيحَ الكلام، وجفَّ منه مِدادُ الأقْلام؛ وما مجازِرُ ومذابِحُ "كفر عويد" بجبل الزّاوية، و"كرم الزّيتون" بحِمص، و"الحولة" بريف حِمص، و"التريمسة" بحَماة، و"داريا" بريف دمشق - حديثا -[2]، وغيرها مِن الخُطوب المُروِّعة عنّا ببعيد، حيث ذُبحَتِ البَراءةُ بالسَّكاكين ذَبْحًا، وأُحْرِقَتِ الأجسادُ بالنّارِ حرْقًا، فلا الأطفالُ شَفعَتْ لهم براءتُهم، ولا النّساءُ نفعهُنَّ عَويلُهنّ، ولا الشُّيوخُ أَسْعفَهُم اسْتِعطافُهُم.
وهل تُسمِعُ أصواتُ البراءةِ والعويلِ والاسْتعطافِ قومًا قد انْعَدَمَتِ الرّحمةُ في قلوبهِم، وماتَ الإحساسُ في ضمائِرِهم، حتّى استَمرؤوا صنيعَهم بالمُستضْعفين؟! بل عَدّوهُ بطولةً يَسْمون بها، ودينًا يُثابونَ عليه!
وأيم الله إنّهم لأقوامٌ تجري في عُروقِهم دماءٌ طائفيّة، وتدقُّ في قلوبِهِم نَبضاتٌ عُنصُرية؛ فهم نُصيريّون يُبيحُ لهم دينُهم ما اسْتَباحوا، فلا دمُ المُسلمِ عندَهم مَعصوم، ولا عِرضُه مَصُون، ولا أمْنُه مَحفوظ؛ قد حالفهم جيرانُهم الرّوافض في الجرائِم كما حالفوهُم في المَبادِئ، فهم أبناءُ رحِمٍ شيعيَّةٍ واحِدة، بينهم في العَقائدِ تشابُهٌ كبيرٌ، والكُفرُ ملّةٌ واحِدة مهما اختلَف لونُه.
وما حِزبُ البعثِ إلاّ واجهةٌ لهؤلاء النُصيريّةِ الباطنيّين، الّذين اجتمعوا تحت مُسمّاها ليحكموا البلادَ السّورية، فحَكَموها منذ العام الموافق 1963م؛ وعليه فالنّظام السّوريّ الّذي تترأسُّه عِصابَة "الأسَد" منذ عشراتِ السّنين، هو نظامٌ بعثيٌّ ظاهرًا ونُصيريٌّ باطِنًا، قد نصّ أهلُ العِلمِ المعاصرين على كُفرِه، سواءً مِن حيث إديولوجيّته البعثيّة، أو مِن حيث عقيدتِه الباطنيّة[3].
وإنّ ما يزيدُ في إدماءِ قلبِ كلِّ مُؤمنٍ غيورٍ يتلقّى سمعُه وناظِرُه يوميًا مثل تلك الأخبار، حِظوةُ هذا النّظام الطّائفي العنصري بتأييدٍ دوليٍّ خبيث، قد انتصر لأهلِ الكفر والزّندقة في بطشهم، تشترِك فيه روسيا، الصّين، إيران، والعِراق[4]، ولهذا الرّباعي الخنزيريّ ذيلٌ يُدعى "حزب الله"[5]؛  بينما لم تتلقَّ الأمّةُ العَزلاء في مقابل كلِّ هذا التسلّطِ والطّغيانِ ذاك الدّعم المرجُو؛ بل لا نَسمع إلاّ التحفُّظات إزاء القضيّة، أو الاسْتنكارات للتدخّل الأجنبيّ، أو الادّعاءَ - جُبنًا وغباءً -  أنّ الشّأنَ السّوري شأنٌ داخِليٌّ لا يجوز الخَوْض فيه!
وقد نَسي أصحابُ هذه المواقف أو تَناسوا، أنّهم قد زادوا بها وقتًا إضافيا ليدِ الإجرام أن تمتدّ للرّجال بالذّبح، والصّبيان بالتّقتيل، والحرائر بالاغْتصاب؛ والله حسبُ المظلومينَ مِنْ أهلِ الظُّلمِ والخذْلان.
إنَّ نصرةَ المظلومِ أمرٌ حتمٌ لازمٌ على المسلمين، وهي على من ولاّه اللهُ أمرَهم آكدُ وأوجب، مِن أيِّ مصدرٍ وقع الظلمُ وعلى أيّ شيءٍ نزل، حتّى ولو كان المظلومُ عبدًا مملوكًا، أو كافرًا مُشركًا، أو بهيمةً مَحْبوسةً؛ فكيف إذا كان المظلومُ مسلمًا؛ بل شعبًا أعزل يتلقّى كلّ ألوانِ التَّنكيلِ وأنواعِ التَّقتيلِ، وهو لا يملكُ لنفسهِ حولاً ولا قوّةً و لادفاعًا.
تَذُوبُ حُشَاشــاتُ العَوَاصِمِ حَسْرَةً
إِذَا دَمِيَتْ فِي كَـفِّ بَغْدَادَ أُصْبُــعُ
وَلَوْ صُدِعَتْ فِي سَفْحِ لُبْنَـانَ صَخْرَةٌ
لَدَكَّ ذُرَا الأَهْــرَامِ هَذَا التَصَـدُّعُ
وَلَوْ بَرَدَى أَنَّتْ لخَطْـبٍ مِيَاهُـــهُ         
لَسَالَتْ بِوَادِي النِّيلِ لِلنِّيلِ أَدْمُـــعُ
وَلَوْ مَسَّ رَضْوَى عَاصِفُ الرِّيـحِ مَرَّةً         
لَبَاتَتْ لَـهُ أَكْبَادُنَـــا تَتَقَطَّــعُ[6]
لا ينبغي أنْ يقتَصِر الوقوفُ مع أهل الشّام في مِحنتِهم، عند إيواءِ اللاّجئين في البلاد الّتي هاجروا إليها مِن البطشِ والعُدوان، وإنْ كان احْتِواءُ إخوانِنا بتوفير كلِّ ما يجب توفيرُه، مِن شروطِ حياةٍ ووسائِل رِعاية، كفيلٌ بالتّخفيفِ مِن معاناتِهِم والتَّسلِيةِ في مُصابِهم؛ لكن الأولى مِن هذا كلِّه، أنْ يُنظَرَ إلى مصدرِ الأزمة فتُستأصلُ مِن جُذورِها ويُسعى في بديلِها، فإنّ هِجرةَ السّوريين وفِرارَهم مِن الموت، ما هو إلاّ فرعٌ مِن فروع الأزمة، ووَجعٌ مِن أوجاعِها.
ولا يُعذرُ حاكِمٌ مُسلِم ولا فردٌ مُؤمِنٌ، في تخلّفِه عمّا يجب عليه مِن نُصرةِ شعبِ سوريّة.
فأمّا الحُكّام؛ فبأيديهِم مِن وسائل الإغاثة ما ليس بيدِ غيرِهم، ممّا يُصيِّرُ المسؤولية عليهم أعظم، ويجعل الدَّورَ مِنهم ألزَم، وإنّ أكبر ما يجب على هؤلاء ابتِداءً، أمران:
الأمر الأوّل: تحريكُ الآلة الدّبلوماسية ضدّ نظام بشّار، الّذي سقطت شرعيَته سُقوطًا لم يَتركْ مجالاً للتّسوية معه والحِوار، فهو ليس طرفًا في الأزمة؛ بل صانِعُها ومنزِلُ الدّمار على أرضِها.
الأمر الثّاني: دعمُ الجيش السّوري الحُرّ، دعمًا سياسيًا وعسكريًّا، فقد أضحى هذا الجيشُ الفَتِيُّ القوّة العسكرية الشّرعية الوحيدة في سورية، مِن خلال وقوفِ كتائبِه موقف الدّفاع عن حياةِ السّوريين وأعراضِهم، تُجاهد وتُنافح على الجبهات جهادَ ومنافحةَ الأبطال.
وكلُّ موقفٍ رسميٍّ يتجاهل دعمَ الجيش السّوري الحُرّ، هو موقفٌ قد خالطَه نفاقٌ أو خالفَه صِدق.
وأمّا الأفرادُ؛ فيُمكنهم فعل الكثير لإخوانِهم، وبين أيديهم مِن وسائل الدّعم ما إنْ عدموا بعضَها لم يعدموا أخرى؛ وإنّ أمّهات هذه الوسائل ترتكز على ثلاثة أدوار:
الدّور المعنوي: مِن خلالِ دعاءِ الله – عزّ وجلّ – وسُؤالِه النّصر لإخوانِنا في الأرض المباركة على عدوّهِ وعدوّهم، وحقن دمائِهم، وحِفظ أعراضهم؛ فيُتحرّى في ذلك أحوالُ الإجابة وأوقاتُها ومواطِنُها؛ وكذلك إبراز المُؤازرةِ والتّأييد لأصحاب الحقّ في القضية، فإنَّ فيه تثبيتًا للمواقف وشدًّا للعزائِم.
وعلى مشايخ الدّعوة وأئمّة المساجد مسؤولية عظمى في القيام بهذا الدّور، فإنّهم قُدوةُ الشّعوب ومثالُها في الخير، وأدنى حركةٍ منهم في صالح المُستضعفين، تتبعُها حركاتٌ مِن عامّة النّاس في هذا السّبيل، ورُبّ كلمةٍ أَحيَتْ أُمّة، ورُبّ سكوتٍ أمات هِمّة؛ بل إنَّ الواحِد منّا لَيحزَن وهو يُصلّي في الجماعةِ الصّلوات، فلا يسمعُ قنوتَ نازِلَةٍ فيها لصالِحِ إخوانِنا وهم في أحوج ما يكونون إليه، وبلادُهُم تشْهدُ ذبْحَ أبنائِهِم واسْتِحياءَ نِسائِهِم.
وإنَّ الدّورَ المعنَويّ لَهو مِن أسهلِ الأدوارِ قِيامًا وأعظمِها أثرًا، فضلاً عن تَضمُّنِ بقية الأدوارِ له وتعزيزِه هو لها، وإذا عَجِزنا عنه فنحنُ عن غيرِه أعجَز.
فلا يعجِزنَّ أحدُنا عن بذلِ معروفٍ ليسَ فيهِ مِن الكُلفةِ إلاّ الشّعور بالمَظلومين ونَبضان القلبِ لمُعاناتِم.
الدّور السّياسي: وهو دورٌ يكتسي أهمّيةً بالغةً وطابعًا خاصًّا، فعلى أساسِه تتحرّكُ الدّول وتخرُجُ القرارات؛ ولا شكّ أنّ الأولى بتزعُّمه هي الحكومات الإسلامية والعربية، ولاسيما جيران سورية؛ لكن في ظلّ تقاعُس بعض الدّول وتباطُئِها في اتّخاذ موقِفٍ مُشرِّفٍ في صالِح أهلِ الشّام، يتأكّدُ على الجمعيات الحقوقية والحركات السّياسية أنْ تتحرّكَ نحو ما يتمنّاهُ الشّعب السّوري ويتبنّاه، ولأعيانِ كلِّ بلدٍ ورُموزِه ثقلٌ لا يُستهانُ به في هذا السّبيل.
ولا ينبغي أن تُعفي تلك الحركات والمبادرات عامّةَ النّاس عن التحرُّك؛ بل المُفتَرَضُ أنّها تُحسِّسهُم بالقضيّة السّورية وتجمعهم للوقوف في صالِح مطالب أهلِها، ولعلّ تنظيم الوقفات أمام مَراكِز القرار الدّولية والوطنِية، وكذا عقد مُلتقيات النُّصرةِ والتّأييد، مِن أنْفعِ الوسائلِ وأنجعِها في هذا المِضْمار.
الدّور المادّي: يكفي في الدِلالةِ على أهمّيتِه توقُّف حياة المستضعفين - بعد الله عزّ وجلّ – عليه، فثمّةَ جياعٌ وعُراةٌ قد قُطِعَت عنهم منافِذ الحياة، وهم بين قصفٍ قاتِل وحِصارٍ ظالم، وفيهم الأطفال والنّساء والشّيوخ، وللاّجئين الّذين تمكّنوا مِن الفِرار حاجات مِن هذا الدّور أيضا في البلادِ الّتي فَرُّوا إليها.
ولا يجوز أنْ تُنْسي إغاثتُنا لهؤلاءِ المساكين دَعمَ أصحابَ الجبهةِ مِن أُسودِ الجيشِ السّوري الحرّ؛ بل - والله - إنَّ دَعمَهُم لأوجب وألْزَم، إذْ هم صفُّ الدّفاعِ عن المُسْتضعفين، وجُنْدُ الحقِّ في وجهِ الظّالمين، انْتَصرَ الجميعُ إذا انتَصروا، وهلكَ الجميعُ إذا هَلَكوا، وإنّ نصرَ الله لهم لَقريب، وما توسّعِ انتِشارهم المَيداني، وتقهقُر عدوّهم مِن ضرباتِهم العسكرية، وتخبُّطِه مِن خلال قصفِه وقتلِه العشوائي، لخيرُ بُرهانٍ على تجمّع سحائب الغيثِ وبشائِر النّصر.
فالدّعمُ المادّي الّذي يفتَقِر إليه أهلُنا في الشّام دَعمان: دَعمٌ بالطّعام والمال، ودعمٌ بالسّلاحِ والعَتادِ العَسْكري، وكِلاهما لا ينفكّ عن الآخر؛ أمّا الأوّلُ فمُمكنٌ مِن الجميع، وأمّا الثّاني فالحُكومات مسؤولةٌ عنه أمام الله – عزّ وجلّ – وهي تحظى بمخزون هائِلٍ مِن الوسائل والأدوات العسكرية، على قَدْرٍ يُؤهِلها لمدّ يد العون للجيش السّوري الحرّ، ويُعطيها الأولوية مِن بين الحكومات الغربية، بما يقطع الطّريق على كلّ تدخّلٍ أجنبي لا يدري أحدٌ ما يكون وراءه.
فعلينا أنْ نبادر ونُسارِع في نُصرة إخوانِنا المُستضعفين على أرضِ الشّام، كُلٌّ على حَسَبِ قُدرتِه وموقِعِه، حتّى نَنْأى بأنفسِنا مِنَ التخلُّفِ عن نصرةِ المظلوم، فيشملَنا قولُه - عليه الصّلاة والسّلام -: ((ما مِن امْرئٍ يَخذُلُ امرَأً مُسْلمًا في موضعٍ تُنتهَكُ فيه حرمَتُهُ، ويُنتقَصُ فيه مِن عِرْضِه، إلاّ خذلَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحبُّ فيه نُصرَتَه))[7].
وإنَّ أهلَ سورية لَمُمَكَّنون، وإنَّ جُنْدَهُم لمنصورون، وإنْ ظَهَرَ طغيانُ الطُّغاةِ وزادَ ظُلمُ الظّالمين، حتّى أبادوا الخَلْقَ وبالإفسادِ عاثوا، ومِن الإسلام مَرقوا وكلّ أخضرٍ ويابِس أحرقوا؛ وإنّما هي جولةُ مُجرِمٍ يسير فيها إلى حتْفِه، لا يمنَعه بعدها حليفٌ ولا شريكٌ، فلا حِلْف يَدومُ ولا شِراكة تَقومُ إلاّ ما كان في الحقِّ وللحقِّ، أمّا اجتِماعُ أهلِ الباطِل فهو اجْتِماعٌ هَشٌّ سُرعانَ ما يَتفرَّقُ أصحابُه عند ظُهور الحقّ وأهلِه، قال - تعالى -: [[تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ]][8].
وبعدَ يقينِنا بالنّصرِ يقينًا تُصدّقُّه أخبارُ مَيدان البطولاتِ مِن أرض الشّام، يأتي التّاريخُ شاهِدًا على أنّه لمْ تُعلم في العالم عبر الأزمِنة ثَورةٌ انْطلَقت وقامَت ثمّ لم تنتصِر وتُحقِّق أهدافَها، مهما كانت مطالبُها وشعاراتُها؛ فكيف إذا كانت الثّورة حامِلةً لِواءَ الحقِّ متبنيّةً مطلبَ العدل؟!
وهاهي رُؤى أهلِ الخير والصّلاح قد تواطأت[9] فتواتَرَت، تحمِل البشرى لكلّ قلبٍ مَحزون على ما أصاب أهلَنا في سورية، بِقربِ انْكشافِ سوادِ الظُّلم، وبُزوغِ فجرِ التّمكين - بإذن الله تعالى -.
قال – عليه الصلاة والسلام -: ((لم يَبْقَ مِنَ النّبوَّةِ إلاَّ المُبشِّرات. قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: الرُّؤيا الصّالحة))[10]؛ وقال: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ))[11].
ولعلّ سردي لبعضها في خاتمة مقالي يكون خير خِتام، لما تحمله أخبارُها مِن فَألٍ لأهلِ الشّام.
فقد نُقِل عنْ بعض الصّالحين أنّه رأى مجموعةً مِن النّاس يجتمعون على أسد فيأكلونه، وأُوّلت بزوالِ حُكمِ الأسدِ مع ذِلّتِه وذِلّة مَنْ معه، وتمكين الله للمؤمنين منه.
ورأى بعضُهم أنّ عَلَم سورية موضوعٌ في تابوت؛ وأُوِّلَت بأنّها بشرى بموتِ وسقوطِ النِّظام السوري الحالي وموتِ زمرتِه الحاكمة.
ورأى بعضهُم أنَّ سورية مُفتَّحةُ أبوابِ بيوت أهلِها، وهم في فَرَحٍ وسُرور، وهم يدعون النّاسَ إلى الإفطارِ عندهم في رمضان، وأُوِّلَت بقربِ العُرسِ بمناسبةِ سُقوطِ الطاغيّة.
ورأى بعضُهم أنَّ أهلَ الشامِ في حالِ فرحةٍ يَدْعونَ النَّاسَ مِنْ كلِّ حدْبٍ وصَوْبٍ إلى بلادِهم، وأُوِّلَت بِحُلولِ الأمنِ والأمانِ فيها بعد انْفِراجِ الأمور، لأنَّ الشّامَ حاليًا لا يَأتيها أحدٌ بسببِ الأوْضاعِ المُتَدهوِرة.
اللّهم إنّا نَسألُكَ بأنّا نَشهَدُ أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت، الأحدُ الصّمد، الّذي لمْ يَلدْ ولم يولَد، ولم يكنْ له كفوًا أحد، أنْ تَكشفَ البلاءَ عنْ أهلِ سورية وتجعلَ لهم أمْنًا ومَخرَجا، وأنْ تحقِنَ الدِّماءَ وتحفظَ الأعراضَ وتُنزل عليهم مع الشّدائدِ فَرَجا.
ونسألك يا جبّار يا قهّار، أنْ تُقاتِلَ عنْ المُستضْعَفين وقد طَغَى عليهم المتجبِّرونَ والفُجّار، وأنْ تُمكِّنَ مِن المجرمِين أهلَ الحقِّ وتُنْزِلَ عليهم بَأسَكَ وعذابَك والنَّار.
ونسألك يا رحيم يا رحمن، يا لطيف يا منّان، أنْ تلْطُفَ بعبادِك المسلمين في كلِّ مكان، وأنْ تنْصرَهم على عدوِّكَ وعدوِّهِم وتُعزَّ الإسلامَ وتَرفعَ راية الإيمَان، اللّهم ارْفعْ عنْهم المِحَنَ والفِتَنَ وأنْعِمْ عليهم بالأمْنِ والأَمان.
أخوكم محمد بن حسين حداد الجزائري
يوم الخميس 16 ذو الحجّة 1433هـ،
الموافق 01/11/2012م


[1] أعلن المرصد السّوري لحقوق الإنسان مؤخّرًا - كما نقلت عنه بعض وسائل الإعلام - أنّ عدد الضّحايا المدنيين الموثّقين فقط، قد تجاوز عتبة الخمسة والعشرين ألف ضحيّة – تقبّلهم الله في الشّهداء - منذ انطلاق الثّورة السّورية في التّاريخ الموافق 15/03/2011م، هذا دون احتساب القتلى في صفوف الجيش السّوري الحرّ والمختطفين.
[2] وقد بلغ عدد ضحايا مجزرة "داريا" الّتي وقعت بالتّاريخ الموافق ليوم السّبت 25/08/2012م: ثلاثة مائة ضحية، من بينهم عددٌ كبير مِن الأطفال والنّساء، منهم من قُتل قصفًا ومنهم من قُتل إعدامًا، بعد توزّعهم بين المنازل والأقبية والمساجد.
[3] ومن أراد التعرّف على هذه الفرقة الشّيعية المارقة، فلْيطّلعْ على كتاب "طائفة النّصيرية تاريخها وعقائدها" لـ د. سليمان الحلبي، وكتاب "النّصيرية وآراؤها الكلامية والردّ عليها" لـ د. زينب محمّد رجاء الله البَلادي الحربي.
[4] موقف العراق من الثورة السّورية قد وُصف بالتّناقض والتخبُّط، وعند إمعان النّظر في القرائن والظّواهر، يتبيّن نفاق النّظام العراقي في موقفه، وإذا علِمنا بتحكّم إيران في سياسة العِراق منذ سقوط نِظام "صدّام"، لم يعُد هذا مُستغرَبًا.
[5] بل أكّد رئيس المجلس العسكري للجيش الحر بحلب: العقيد عبد الجبار العكيدي - كما نقلت عنه "العربية نت" - أنّ مقاتلي حزب الله متواجدون في معظم المحافظات السورية، رداً على نفي نصر الله هذا التواجد.
وأضاف العكيدي، أنّ "مقاتلي حزب الله اللبناني متواجدون في معظم المحافظات السورية، ويقاتلون بشراسة".
وقال "إننا نعرفهم من لباسهم وشكلهم، وبالتحديد من طريقة قتالهم. هم يقاتلون بشراسة، ويقاومون بعنف، وبطريقة عقائدية بعكس عناصر الجيش السوري النظامي"، مشيراً إلى أنهم يتواجدون في حلب ودمشق ومعظم المحافظات.
[6] الأبيات للأديب والشّاعر المصري: علي الجارم.
[7] رواه أبو داود في سننه (دار الرّسالة العلمية) وغيره: كتاب الأدب/ باب من ردّ عن مسلم غيبة / 4884، من حديث جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاريّ -رضي الله عنهما-. حسّنه الألباني في صحيح الجامع (المكتب الإسلامي): 5690.
[8] سور الحشر: الآية 14.
[9] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرؤيا قد تكون من الله، وقد تكون من حديث النفس، وقد تكون من الشّيطان، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على أمر كان حقًّا، كما إذا تواطأت رواياتهم أو رأيهم، فإنّ الواحد قد يغلط أو يكذب، وقد يخطئ في الرّأي، أو يتعمّد الباطل، فإذا اجتمعوا لم يجتمعوا على ضلالة، وإذا تواترت الرّوايات أورثت العلم وكذلك الرؤيا". منهاج السنّة: 3/500.
وقال الحافظ في سياق شرحه حديث بوّب له البخاري "باب التّواطؤِ على الرّؤيا": ويُستفاد من الحديث أنّ توافقَ جماعة على رؤيا واحدة دالٌّ على صدقها وصحّتها، كما تُستفادُ قُوّة الخبر من التّوارد على الأخبار من جماعة". فتح الباري: 16/323.
 
[10] رواه البخاري في صحيحه (دار ابن كثير): كتاب التّعبير/ باب المبشِّرات / 6990، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
[11] رواه مسلم في صحيحه (دار المغني): كتاب الرّؤيا/ 2263، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.